السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

245

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

وكان في مبدأ حاله ذا صبوة غزليّة ، ونشأة باحتساء كئوس الخمرة العمليّة ، ثمّ انتقل من ذلك إلى موضع احتجب فيه ، عن الخروج إلى خليل يوافيه ، وشرع يستألف قلوب الناس ، ببذل لطائف التودّد والإيناس ، وأنزل نفسه الشريفة منازل الذلّ والهوان ، والخضوع والتواضع لكلّ إنسان ، من ثلم الأيدي وتقديم الأحذية ، وتطييب الماء المغني عن لذيذ الأغذية ، واستمرّ على ذلك مدّة من الأعوام ، والقلوب منجذبة إليه من خاصّ وعامّ ، ثمّ ترك بعض تلك المفاعيل ، معتذرا بأنّ مزاجه الشريف لا يخلو من توعّك قليل ، ولم يزل يتركها شيئا فشيئا . وفي أثناء ذلك تحسّن أحواله ، ويرتفع مقامه ، وتنمو أمواله ، حتّى صار معروفا في جميع الأقطار ، ويقصده المعتقدون له غيبا للتبرّك به في الأمصار ، واختصّ بالاعتقاد فيه آل زيد بن محسن بن الحسين بن الحسن ، ملوك مكّة المشرّفة في ذلك الزمن ، وصار كعبة مقاصدهم ، ومنهل صادرهم وواردهم . فارتقى بذلك أيضا مكانا عليّا ، تحسده عليه نجوم الثريّا ، خصوصا في أيّام شرافة صاحب الترجمة ، وشرافة والده ، فقد أحرز فيهما الحظّ الأوفر ، من طارف المجد وتالده ، وبني في ذلك الدور بعض الدور الحسان ، وزخرفها بأنواع الألوان ، واختصّ منها فريدة بالسكنى ، وأمر أن يدفن بها إذا صار إلى جوار المقام الأرفع الأسنى . واستمرّ ساكنا بها مدّة حياته ، محتجبا فيها عن أوضاع هذا الدهر وترّهاته ، مختليا فيها بنفسه الشريفة عن الخلائق ، مشتغلا بالعبادة اللائقة بذات الخالق ، مظهرا لآثار نعمته عليه ، ممتنعا عن قبول ما يجبى من الفتوحات الماليّة إليه . ولمّا استتبّت له مطالبه ، وطلعت في سماء الشهرة نجوم صيته الشريف وكواكبه . وسار مسير الشمس في كل بلدة * وهبّت هبوب الريح في البرّ والبحر